يالعبثية القدر المجنون و يالجنون القدر حينما يعبث بنا..تَراه يُسقِط علينا كماً من الصدف..تأسُر فكركَ للحظات فيتوارى ادراكُكَ خلف بعض اللحظات..ترى الصُدف ماهي الا أصدافٌ بحرية نُظِمت بخيطٍ واحدٍ لتَحيك قطعة الحاضر بخيوط الماضي فإذا هبّت عليها رياح القدر تلاطمت اجراسُها فما سَمِعتَ منها الا مااستفز ماضيٍ بداخلكَ لتستنجد دون جدوى بحاضركَ..إن اتقنت فن الهروب عن ماحولك من عوالمٍ و شخوص ما اتقنت التواري عن مصادفةِ ذكريات الماضي على جنباتِ طُرقات الحاضر..الذكرى نفسُ الماضي و الحاضر روح الماضي..ليست ثمة روح دونما نفس!
انتقلت للعمل في الجزائر..انا أؤمن انه كلما ابتعدت عن مركزك تحررت من جاذبية الأشياء المؤلمة اليك..مركزي وطني..وطني موطن ألامي..
مع وصولي الى هنا و كل طاقم العمل يُتمتم اسمه بين الشفاة صباحاً مساءً..و الجميع يترقب وصول العميل الجديد,رسالة بريدية منه,فاكس من مكتبه في فرنسا..الجميع متلهف للقاء العميل الجديد..أما انا فلم اكترث للموضوع ابداً..لم يتعدى اهتمامي حدود وضع بريدي على وضعية"اون لاين"طيلة اليوم لأبقى على اتصال مع العميل الغامض!كنت أُنزلُ عليه كماً من الشتائم اذا ماوصلني على هاتفي المحمول و انا غارقة في النوم رسالة تنبيه بوصول ايميل جديد فإذا تفقدت صندوق رسائلي وجدتها ليست من المصدر المرتقب!عادةً في عملنا وصول العميل يعني اجلاء الصورة بالنسبة لنا في كثير من الأمور لعل ابرزها مدة اقامتنا في مكان ما..فالقاء الأول يجعلك اكثر دراية بنفسيات الأشخاص!
في الطريق للقاء العميل كنت اتواصل مع اناس لا اعرفهم على شبكات التواصل..بالمناسبة كنت لا ارد على مايَرِد على هاتفي المحمول من رسائل من أصدقائي و السبب اشتياقي لهم..مازلت احتفظ بالعادة السيئة كما يسميها صديقي مار!كنت بالفعل اتمنى ان لا اتفق مع العميل الجديد كي انهي عملي بالكامل و اعود الى وطني..فكرنا في الموضوع ملياً انا و اصدقائي..من الخطأ ان تتمنى الأسوء لكن احياناً الأسوء قد يكون الافضل!
عند وصولي و تعبئتي لإستمارة الدخول لم افكر للحظة و احدة ان اتأمل توقيع صاحب الشركة!و بمجرد دخولي باب مكتبه للقائه علمت اني دخلت الى الماضي من أوسع ابوابه!!
نعم..كان جاك هو جاد..الكاف لم تكن كافية لغلق ابواب الماضي جملة واحدة!!
جاد صديق قديم..اعرفه منذ معرفتي لكل شيء في الحياة..اعرفه منذ ان عرفت الحياة..بالمناسبة لا تختصر الحياة في شخص واحد..الأحادية عادة تنسف الكلية اذا تبددت!
جاد أكبر مني بتسعة سنوات..كل اصدقائي هم أكبر مني سناً..لم افكر مرة لماذا لا أملك صداقات حقيقية مع من هم في سني؟!المهم جاد كان من سكان بنت جبيل و انتقلت عائلته الى صيدا بعد ان توفى والده إبان الحرب الأهلية أيام حادثة البوسطة..توفى والده صغيراً بعد قصة حب عظيمة مع والدته لينتهي بهما الحال الى الزواج في سن مبكر..دائماً كان جاد يغضب و يترك المدرسة اذا قدمت و الدته لتسأل عنه في المدرسة و السبب ان المدرسون كانوا يُنمقون الحديث مع والدته الجميلة ظانين انها أخته او قريبته و ليست والدته..عادة كنت أجلس مع انطوان مقابل البناية التي نسكنها و يبدأ في تسميع ماحفظته من مواد..كنت اكره المواد العلمية!فإذا وصل جاد حرضني بحديثه على الإستذكار فتبدأ الموشحات من انطوان في المستقبل بينما يواصل جاد المسبات على المستقبل فلا ينفض الحديث سوى بتدخل جدتي تنادي من اعلى الشرفة مبتسمةً"هالشباب راح يضيعوكِ"..كان جاد اكثرنا فكاهة و اكثرنا بكاءً على استحياء..جاد ابسط من تعقيدات الحياة كما قال عنه بيار الجميّل رحمه الله عندما التقينا اخر مرة في قهوة القزاز و اخبرنا بيار بأننا سننزل في مظاهرة من أجل ثورة الأرز..يومها رفض جاد النزول و قال لبيار هذا مضيعة للوقت..ليرد بيار بما رد..
جاد من الأشخاص المندفعون اذا رأيتهم حسبت الدنيا مبلغ هَمِهِم لكنه ليس كذالك..جاد قد يكون أطيب قلب من الحياة لذا تماماً مثلما كتب على يدي في تشرين 2000 في سهرة عيد ميلاد حبيبته ساندرا "الحياة أكبر مني..الحياة تغار منا"..كان جاد بيت سر المجموعة,ملاذ دمعاتهم و صدى ابتساماتهم..بالمناسبة مازلت ممتنة له حينما سهر لجانبي في مادة البيولوجي..مازلت عند رأيي فلدى جاد قدرة على توصيل المعلومة أفضل من تعقيدات انطوان..لا اظن ان انطوان كان يغضب من ذالك لانه يعلم انني ماعشقته الا لتعقيداته..كنا أعذب علاقة عرفتها جنبات صيداء القديمة..كنا لا نمل المشي من قلب صيدا و حتى فندق السفير قديماً..كنا نجلس بالساعات على جسر قلعة صيدا البحرية..نتحدث في كل شي..السياسة,الثقافة,الحب ,الطموح,اليوم و الغد..ببساطة كنا نتحدث لدُنيا وعنها..
دائماً كنت اغضب من تفكير جاد بالإغتراب و بمجرد ان أصل الى البيت يهاتفني فلا يتحدث بالمرة و بمجرد ان اخرج من بوابة الجامعة باحثة عن انطوان أجد جاد همو من قدم الي بدلاً من انطوان و في الطريق كان يدير التسجيل على اغنية سلوى القطريب"شوفيه خلف البحر" فلا نصل الى صيدا الا وقد إلتمست العذر لجاد و ان لم اقتنع به!
في2005ومع تدهور الوضع في البلاد بدأت اوضاع جاد في التدهور و السبب اغلاق المكتب الذي يعمل فيه جاد..ولان جاد يعمل في الإقتصاد و التجارة كان من الصعب توفير عمل في وقت قصير..كان جاد يتواجد معنا في ساحة الشهداء بشكل متواصل رغم انه لم يكن ذو اهتمام بالنشاطات الحركية و ظل يسخر من حماستنا..كان يردد كثيراً"لبنان بيفرح اكتر بلا هالاضرابات"..رغم ان جاد يعشق لبنان بشكل جنوني الا انه لم يكن يُعبّر بالطريقة التي نُعبّر نحن بها..كان تشيع الرئيس رفيق الحريري هو اخر نشاط نزل فيه جاد معنا الى الشارع..
في مثل هذا الوقت تماماً..في شباط 2005 كنا مجتمعون لدى فضل في بيته..كان جاد و ساندرا متخاصمان..فجأة وقف جاد في المنتصف..وضع يداه خلف ظهره كما كان يفعل دائماً ثم قال"السفارة الفرنسية وافقت على تأشيرة السفر".
في البداية ظن الجميع انها مزحة كعادته او ليربك حبيبته ساندرا ثم يغشى من الضحك و على لسانه"بعدك بتحبيني"..مرت ثواني صمت علَّ ان يحدث شيء..لم يحدث شيء سوى ان ماقاله جاد هو الواقع وهذا مااكدته ساندرا لنا..و بعدها بأسبوع تقدم جاد لخطبة ساندرا تزوجا في نهاية شباط و غادرا لبنان صباح اليوم التالي..
لم نكن بعد كمجموعة أصدقاء قد تعودنا على توديع احد منا..في المطار لم نعرف الاتجهات التي نسلكها و لا الإجراءات التي تتبع..كان الأمر غريب..اما جاد فمازلت اذكر برودة اطرافه على وجهي..احياناً نحن ممتنون للحظات الأخيرة كثيراً..رغم ان جاد ظل يردد انه سيعود في اول اجازة له و انه سيتواصل معنا في حال وصوله الا انني كنت استرق اكبر قدر من الصور الأخيرة..كنت اعلم انها الأخيرة و مازلت لا اعرف لماذا..رفضت معانقة جاد في حينها رغم اني لم ابكي..ماأصعب ان يستعصي عليك الدمع..اقترب مني مار و توسل الي ان اقترب و اودعه فلعلها كانت الأخير..لم استطع..كيف لذراعين ان يحتضنا مايقارب الأثنا و العشرون سنة بكل مافيها! حتى جاد لم يقدر على ذالك..اقترب الي همس بأنه سيعود ولم تعد من حينها اعيوننا تلتقي!
تواصلنا مع جاد قدر المستطاع لتبدأ اخباره تشح يوماً بعد يوم حتى نضبت و جفت..انقطعت كل سبل التواصل معه..او كما كان انطوان يقول" الدنيا قررت ان تفتح على الصفحة التانية"!
كلما مرّ حدث على لبنان كنت اتوقع معه عودة جاد..اغتيال جبران او بيار مثلاً او بالتأكيد استشهاد انطوان الا ان كل التوقعات كانت تذهب ادراج الريح!
كل ماكتبته الان كتبته انفاسي التي اضطربت منذ ان رايت جاك يقف خلف المكتب على عجل ليقوم بمصافحتي كتصرف بروتوكولي..الا ان جاك تسمر في مكانه و انا كذالك..حينما احتضنت جاد ادركت مامعني ان تحضن الدنيا..شعرت ان كل حياتي الثمانية و العشرون كلها تتلاطم بين اذرعي..اني احتضن الجميع..
تحدثنا في كل شيء و عن كل شيء و المضحك ان جاد مازال يحتفظ بصورة تجمعنا على مرفأ بيروت في محفظة نقوده..جميل وفاء الرجال..عذب شوق الأخلاء..
كانت تمر ثواني نصمت فيها ثم نرقب اعيوننا ثم نغرق في موجة ضحك دامعة..بالمناسبة مازال جاد يدعي ان عيناه تجفان فجأة!و بالمناسبة ايضاً مازلت انا من تنقل الأخبار المؤلمة..انهار جاد لسماعه خبر استشهاد انطوان..
الحديث الى جاد مازال كما هو..مريح و و اضح الملامح..كثير من الأمور كانت مبعثرة لديّ الا انها ترتبت بمجرد ان بوحي بها لجاد..ورغم ان وجودي و جاد على ارض واحدة أصبح امراً صعباً الا اننا لم نطل الوقوف كثيراً عند هذا الشأن تماماً كما اننا لم نُضع الوقت في عتاب بعضنا..فأنا ايضاً هربت من لبنان بعد اغتيال انطوان..احياناً وطنكَ ألمكَ..ومع ذالك اتفقنا انا و جاد على ان يكون اللقاء الجديد في بيروت و مع كل الأصدقاء و سيجلب ساندرا و ابنيه..ماريو و انطوان..ابنه البكر اسمه انطوان ايضاً..الم اقل بان وفاء الرجال أعذب..
