الثلاثاء، 18 أكتوبر 2011

سأكتبـــــــــني..

سأكـتبــــــــــني..

أعلم أن ثمة أشياء تبعدني عن ذاتي لوقت و أشياء أخرى لا تُشبِهها تعيدني اليها من جديد..قديماً كنت لا اخلد الى سريري قبل أن أمد جسدي المثقل على السطور لتحمل عني مايرعب عيناي..سطوري تطرد سهدي بعيداً..

أنا ابسط بكثير من كل مااعرفه..كل ماأمتلكه..او بالأصح انا ابسط من ماحمّلني القدر..قدري الفريد..وكم اعشق قدري..
رغم إيماني ببساطة ماأعرف الا انني أخشى البوح به علانية لسطوري..انا طالبة في مدرسة المكاشفة التامة مع الحرف..إما أن اتعرى كاملة
أمام حرفي أو ستخجل الحروف مني و تدير ظهرها اليَ..وويلي على من أدرات الحروف ظهراً اليه..
منذ قرابة الستة سنوات و انا و الحرف في مغازلة و ملاطفة كما كان يقولها لي صديقي جهاد..
جهاد كان أحد الأصدقاء في جريدة النهار..خاطبني مرة أثناء زيارتي الى لبنان في تشرين 2008..ألتقينا حينها في قهوة الزجاج بصيدا..كان يتحدث عن أحد المدونات التي عرضت عليه ان يكتب شيئاً عن جبران تويني في ذكرى استشهاده..و بدأنا انا وهو بجرد الذكريات..فجأة برد المكان و خـَفت الضوء..انخفض صوت ام كلثوم و ضاعت أصوات الأشخاص..غرِقنا انا و هو في ذكرياتنا مع جبران..جمعتنا قهوة الزجاج كثيراً..أذكر ان ليلتها رأيت دمعة جهاد على خده شوقاً لجبران..لا نعرف حتى هذه اللحظة كيف حملتنا أقدامنا خارج المكان هرباً من ذواتنا..وصباحاً وجدت رسالة على جهازي..كتب جهاد:"قدرنا وضعنا في طريق جبران و جبران ليس على طريقنا الأن..انانية أن يتحدثون هم عنه و نحن مازلنا نهرب منه".
على طريق المطار كانت أصوات أصحابي ممزوجة بإبتسامات مزيفة بتً أعرفها تماماً في كل مرة أودع فيها بيروت..الا ان جهاد لم يتفوه بكلمة..اعتدت ان اركب الطائرة و في اذني صوت مهاتراته على كل لوحة من لوح الإعلانات التي تحجب طريق المطار..
في المطار همس الي:"أكتبي و لا تقتلي شوق حروفك لجبران و أصدقائنا..ان اغتالوهم من ساحة الحرية فلن نغتالهم نحن من ساحة الحرف".
اليوم..حدثني جهاد من باريس..كعادته الجميلة..ومع الحديث سألني على حين غفلة "هل مازلتي جبانة؟"..أقرأ جهاد أكثر من ذاته..ورغم ذالك تجاوزت سؤاله..ويالعناد جهاد..
لا يقتنع أصحابي اني مازلت أعيش كل من رحل..مازلت حتى الأن لا أطيق فكرة الموت و لو من باب النكتة..مازلت حتى اليوم لاأقدر على المكوث في بيروت لأكثر من اسبوع دون عمل يلهيني عن تفاصيلها..لا زلت أباعد بين خطواتي اذا مررت بجوار قهوة الزجاج..مازال صدري يضيق كلما مررت بالحرية..مازال مشهد جبران و بيار و صديقي بوشاحهم الأبيض بالأحمر على أكتافهم قابع أمام عينيّ كلما أجبرتني الخطوات على المرور بساحة الحرية او ساحة النجمة..أعلم انه جنون..لكن لا أكترث لكل مايقوله أصدقائي عن جنوني..
أتخيل كثيراً حياتي لو أن القدر لم يضعني بطريق صديقي انطوان و لم يأخذني معه ذالك المساء الى عالمه..عالم الوطن..عالم تضحيات جبران و سمير و قصير..عالم انطوان..
دائماً ابدأ من جديد لإرضاء خوف اصدقائي عليَ..بالمناسبة لاأحب ان يخاف أحد عليَ..ان أعيش بذكرى و لذكرى من أحب ليس مرعباً..دائماً ابدأ من جديد الا انني في لحظة سهونة أعود الى حطامي سريعاً..لماذا نستغرق وقتاً اطول اذا ماقررنا ان نقف للحياة من جديد بينما لا نأخذ ثواني عندما نقرر ان نتهاوى؟
سأبوح بسر..لا أكتب عن حياتي او عن مواقف جمعتني بأشخاص ليس خوفاً من لملمت حالي بعد ان يقف نزف الحرف..لا.
انا لا أكتب لأنني ميته..منذ سنة الإغتيالات انا ميته..هذا عدا انني لو كتبت عن أصحاب الزمن الجميل فسأمجد القدر الذي جمعني بالمصادفة بهم..وكيف أمجد القدر و هو من أختطفهم مني..هل أعتدنا ان نمجد من يسيء الينا؟!
مايحملني دائماً على الفخر بحياتي و مالفها من تعب و معاناة وانا أخبر شيئاً مني لشخص أتعرف عليه حديثاً هو اني في النهايات أحمل في رزنامة حياتي ذكرياتي مع أشخاص صنعوني بكرمهم..حبهم ..حنانهم و صدقهم..انتشلوني بجنونهم و شغفهم..أيقضوا الحلم في عيني العانيتين..
ربما أصبحت أقدر على إدعاء انني اليوم أكثر جرأة على الحديث عن حياتي مع انطوان رغم غيابه..أصبحت قدماي اكثر تشبثاً بالأرض وانا أقف على ضريحه..أصبحت أقدر على ضبط سيل دموعي وانا أرى العظيمة مي شدياق وهي تصافح الجميع في ذكرى القوات الأخيرة..أضحيت أكثر قسوة وانا أسمع مهاترات من يستسخف قضيتي..و قضية كل لبناني ضاقت العدالة بقضيته ذرعاً..اليوم أنا أقوى عندما اتحدث عن مصادفات زمني الجميل و ان سلبوا مني ارادتي في العيش..فحروفي غداً عن اصدقائي ليست نفساً اعيش به و انما صرخة..فانا اعترف ان بعضي مازال يقبع تحت ركامي وان حاول الجميع من حولي انتشالي بمحبتهم التي تعمرني وان كنت بتطرفي المعهود عني اهدم شيئاً مني..
أصدقائي..قررت ان اكتب صرختي..او لأكون قوسية كما عهدتموني سأحاول ان أكتبني..أحبكم......

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق