الأربعاء، 4 أبريل 2012

النــــــواة الأولـــــــــــــى...


                                    النـــواة الأولـــــى..
 
على هذا السطر في هذا "العالم الافتراضي" سأبوح "بحياتي الحقيقية" مكتوبةً، تماماً كما كان قدومي الى هذا "العالم الحقيقي" نتيجةَ لكتابةٍ عبثيةٍ لأشخاصٍ "افتراضيين" كانوا في حياتي.
احياناً كثيرة نحن لا نُقرر البداية، ثمة اخرون يبدؤنك قبل ان تبدأ، او لنقل يخطئون و انت ثمرة هذا الخطأ، و لأبدأ كتابة حياتي بإنصاف عليَّ ان اتحدث عن اولئك الذين أصابوا فأحسنوا حصاد هذه الأخطاء بقدر حديثي عن أوليك الذين عبثوا ببذرتي الأولى!
سأبدأ بقلب حياتي النابض،جدتي جميلة. كانت جدتي فتاة تنتمي لعائلة محافظة كمعظم العائلات الأرستقراطية في ذالك الزمان، تقضي جُلَّ وقتها في القراءة و ملاحقة الأخبار على المذياع و تسهم في توزيع المنشورات في ايام الحرب. في يوم من الأيام هذه الشابة اخذها القدر الى بيروت لتعلق تحت اطلاق الرصاص في شِقِها الشرقي و هناك وقعت في غرام جدّي. كان جدي "مروان" شاباً مسيحياً يحمل بندقيته على كتفٍ و على الأخر يحمل وطنه.هذا الشاب تعلق بهذه الفتاة منذ الوهلة الأولى و كان مستعداً هو وإياها لمقابلة رفض عائلاتهما لزواجِهما كإستعداده لتلقي الرصاص، فتح صدره للرصاص من اجل الوطن و شرّع قلبه للجراح من اجل الحب. وأمام الأمر الواقع تُوضع النهايات قبل أوآنها، وهذا مافعلاه جدي و جدتي. تزوجا و استقرا في صيدا فوهبَهما الرب شاباً و ابنتان, خالي غسان، خالتي جيزيل و ريما. 
تربى الجميع تحت سقف الحب، الحرية و الإيمان بمطلقه في بيت صيداوي عريق يتوسط أسواق صيدا العتيقة, تطل نافذة " عليته" على حياة الأمواج, وفي أوائل الليل تسمع أغاني المحبون تنبعث من مقاهي الحي القديم بينما يتنفس صباحه مع صوت فيروز الذي ينبعث كل صباح من على " عربة " العم محمود و الذي يتجول منادياً " جرايد, أخبار, شوفوا شو صار".
كَبُرت الأديان تحت سقف هذا البيت بإنسجام تلقائي فعُمّرت القلوب بما يحمي العقول. و بعد ان ازهرت شجرة الليمون الكبيرة المقابلة للبيت العتيق تزوج خالي غسان من طائفته السنية بينما خالتي جيزيل فتزوجة برامي من الطائفة المسيحية ليترَسّخ بذالك مبدأ العائلة الأوحد، "الحب نواة الإيمان أياً يكن" تماماً كما كانت تُردد جدتي. أما البنت الصغرى ريما فقد كانت مختلفة في كل شيء, كل شيء.
ريما كانت شابة جميلة، تُحَمّل كل صباح أمواج البحر احلامها، امالها و طموحاتها لذا اتجهت للعمل كمضيفة في الخطوط الجوية اللبنانية. و في احد الأيام وقفت ريما بعد وجبة العشاء لتُبلغ الجميع عن قرارها الذي اتخذته ولن تقبل فيه اي جدال: "سأسافر للعمل في الخطوط الجوية السعودية".  امام هذه الجملة صمت كل شيء ماعدا اصوات خطوات ريما ذهاباً اياباً تُلملم اغراضها و تَحزمُ حقائبها. 
غادرت ريما لبنان الى الرياض لتعمل في الخطوط لمدة ثلاث سنوات زارت فيها لبنان لمرتين فقط. و في السنة الرابعة قدمت بصحبة ورقة تقول انها تزوجت برجلٍ سعودي يعمل معها في الخطوط ايضاً. كانت جدتي تتسائل عن سبب عودة الزوجة دون الزوج فكانت الكارثة ان الزواج لم يلقى مباركة من أهل الزوج!
الزواج في صيدا حدث تتراقص معه امواج البحر مع كل ضربة قدم من اقدام "الدبيكة"، تقام الليالي الملاح و ينطرب القاصي و الداني بزواج ابنة الضيعة، فكيف اذا كانت العروس ابنة الجدة جميلة! إلا ان الأفراح لم تُعمّر في الديار و اكتفت الجدة ببث الخبر على استحياء و السبب ليس خيار الزواج من جنسية اخرى و انما عدم مباركة الزواج من الجميع حتى بعد وقوعه!
غادرت ريما لبنان ولم تعود الى بعد ان اتمت عامها السابع. لم تعد هالمرة لإحتضان اسرتها و انما ليحتضنوا ماتحمله في أحشائها! 
نعم، عادت ريما لأنها حامل في شهرها السابع وترغب في ان تلد بين يديّ والدتها. و في ٢٠ فبراير تشرين الثاني1984, اطلقت طفلة صغيرة صرخة في وجه الحياة، صرخة ابتهال بأن لا تقسو عليها الحياة كقسوة والدها الذي لم يكن من بين المحتضنين لها في تلك الليلة!
بقيت هذه الطفلة دون اسم لأسبوعين في المستشفى نتيجة ضعف بنيتها، يبدو انها استعجلت القدوم للحياة ظناً منها ان القدوم المبكر يعنى اهتمامٌ مفرط!. بعد اسبوعين، بدأت الجدة جميلة و الجد مروان يسألان ريما" والدة الطفلة" عن والد هذه الطفلة و لماذا لا يأتي ليرى ابنته البكر، وفي كل مرة كانت ريما تبحث عن مخرج.
بعد شهر من قدوم هذه الطفلة، تفاجئ الجميع برجلٍ يطلب ان يتحدث الى ريما. كان هذا الرجل رسول والد الطفلة الى والدتها يحمل توكيلاً يتمكن بمقتضاه من تسجيل الطفلة في السجلات المدنية بإسم "شوق" كما يرغب والدها!.
ازدادت حيرة الجدة جميلة و الجد مروان مما يحدث. كان الجميع يحاول تكرار هذا الإسم علّ اللسان يعتاد عليه، لم يكن و مازال اسم شوق غير دارج في لبنان. قال جبران تويني مرة لشوق مُعزياً اياها في اسمها بأنه يكفيها ان اسمها لا يُضفي عليها صبغة سياسية او طائفية رُغماً عنها!
المهم، في نهاية ذالك اليوم، عادت ريما و بيدِها شهادة تحمل اسم الطفلة و في اليد الأخرى تذكرة. ريما اُجبرت تحت اتفاق مبرم بينها و بين زوجها على ان تترك شوق في لبنان فترة من الزمان، ليست اكثر من شهر، حيث تعود الى السعودية لمعاودة الكرة مع العائلة علّها تبارك هذا الزواج. لم تقتنع جدتي بهذا الأمر الا ان ريما ظلت تردد ان العائلة سيزداد رفضها اذا علمت ان ثمة طفلة في الموضوع و ان هذا قرار الزوج و الا فالطلاق هو الحل و ريما تُجن لو ابتعدت عن حُبِها!
في 2 يناير كانون الثاني من العام 1985 غادرت ريما لبنان على ان تعود بعد شهر مع والد الطفلة لأخذها الى السعودية و العيش معاً تحت سقف واحد ككل الأسر. إلا ان هذا الامر ذهب أدراج الريح لسنوات و سنوات.
شوق عاشت في بيت جدتها و جدِّها في صيدا، انا شوق، انا تلك الطفلة.
كانت جدتي امي الحقيقية، امي بالفطرة، كانت جدتي تنسى ان تنام، ان تأكل وان ترتاح بسبب حِرصِها على ان أأكل, انام و ارتاح. كانت تضغني على قدميها كل الوقت و كأنها تحاول ان تبرر لي تصرف ابنتها. لم أكن افقه شيئاً بعد، الا ان جدتي تخبرني دائماً اني اذا سمعت اغنية لسلوى القطريب توقفت عن البكاء. تقول جدتي انها كانت تضعني على قدميها و تتوارى خلف اسطر الكتاب الذي بين يديها لساعات و ساعات و رغم ذالك ابقى صامتة و دون حراك. كنت الطفلة المدللة التي تتنقل من حضن الجدة الى حضن الجد في بيت يسكنه الهدوء و الروحانية. كانت جدتي تُفاخر فيني بين قريناتها، تقول لي جدتي انها كانت تَعمَد الى أخذي معها في زيارتها لجاراتها كل صباح لكي يزداد الناس فيّ ارتباطاً، كانت تخشى جدتي عليّ من الوحدة و تعلم ان جاراتها لن يتخلو عن ابنتهم شوق اذا ماأصاب الجد و الجدة مكروه. جدتي و جدّي أول هدايا قدري...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق