غيث الطفــولــــــة...
استيقظت اليوم على خطوات جوليانا. جوليانا هي الممرضة التي أعتدت كل صباح ان استيقظ على ابتسامتها التي تحمل شيئاً يُشبه الأمل في النفس رغم كمِ المسكنات التي تحملها بين يديها, أما اليوم فإبتسامة جوليانا و ابتسامة السماء بزخات الربيع الهادئة في الخارج كلاهما يبعثان شيئاً مختلف في النفس.
وبعد محاولاتٍ ناجحة إقتنعت جوليانا بالسماح لي بالخروج الى خارج الغرفة, حيث يوجد في أخر الممر شرفة كبيرة تُطل من الأعلى على جامعة اوليم, الجامعة المجاورة للمصحة. مشهد الطلبة في الخارج يوحي ان ثمة غدٍ قادم ربما لاأكون موجودة فيه و ربما أكون, لذا دون ان أشعر وجدت نفسي أمام جهازي أعود للكتابة, أمامه و أمامكم..
كل ماأذكره من سنواتِ الخمس الأولى هو غفواتي بين أذرع جدي و جدتي, كل ماأختزله في ذاكرتي هو وقوفي كل صباح , كما أقف الأن, على شرفة بيتنا القديم ألوح بيديّ الى أنطوان و سارا و هما يغادران المنزل الى المدرسة. أقضي الصباح مع جدتي هناك أمام بيتنا القديم مع جاراتها وما أن تمضي كل واحدةٍ الى شأن بيتها تأخذني جدتي معها الى أسواق صيدا العتيقة فما أن يراني جدي مروان من مكتبته يتقدم ليقبل جبين جدتي و يحملني بين ذراعاته, فأبقى معه بينما تعود جدتي الى البيت.
في مكتبة جدي كنت أحضى بكل ماأريد من كل المحال المجاورة. كان رؤوف " صبي" العم جورج " الدكنجي" يُغريني بالحلوى كي اقبل بالذهاب معه. كان رؤوف يأخذني معه الى " حلاق نسائي" بالقرب من بولفار رفيق الحريري قبالة البحر, وهناك كان يعطيني ظرف و يطلب مني ان أدخل الى المحل و أعطيه أحدى " الصبايا". إنشغالي بالحلوى يومها و صغر سني لم يكشفان لي اني كنت " مرسول الغرام".
أذكر مما أذكر أني أفسدت فرحة الجميع في يوم تخرج أنطوان من المرحلة الإبتدائية, حيث كنا نحضر حفل نجاح انطوان و كانت المدرسة مكتظة بالأمهات فسألت جدتي عن سبب بكاء أكثر النساء من حولنا؟!. ردت جدتي بعفوية بأنه شعور عفوي تشعر به أي أم في يوم نجاح إبنها خصوصاً وان أغلب الأمهات قدِمنَّ الى صيدا هرباً من ويلات الحرب, هنَّ يفرحن بنجاة أبنائهن من الحرب و من الفشل. يومها سألت جدتي بعفويتي هذه المرة عن من سيبكي أكثر عليَّ يوم نجاحي في المرحلة الإبتدائية, هل هيَّ أم خالتي جيزيل؟ ثم نظرة اليها فقلت: " ليش ماعندون متلي أمهات كتيرة؟".
في ذالك اليوم تقول جدتي أنها لم تبكي في عمرها كما أبكيتها في ذالك اليوم, كم أتمنى أن أنزع هذه الورقة من رزنامة ذاكرتنا ياجدتي..
بعد هذه الحادثة بأسابيع قدّم اليَ انطوان ومعه حقيبة جديدة, كراسات و اقلام, وقال ليّ بأنها لي. بالفعل في هذا العام, 1990, ألتحقت بالمدرسة في الصف الأول. في اليوم الأول أوصلني الى المدرسة كلاً من جدي, جدتي, خالتي جيزيل و أنطوان, ولبما كل صيدا..
كم أذكر تفاصيل ذالك اليوم, مازلت أذكر أني في ليلتها كنّا نجتمع أمام التلفاز منشدين الى هند أبي لمع و عبدالمجيد مجذوب في مسلسل عازف الليل. اذكر جيداً ذالك المشهد الذي تُخبر فيه هند سائقها عبد المجيد أن الجميع يستغرب من علاقتهما رغم أن مابينهما هو مجرد صداقة ليس أكثر, يومها سألت جدتي هل يمكن ان يكون سائق باص المدرسة صديقي كما تفعل هند؟ فردت جدتي مبتسمة بأن عبدالمجيد سائقها لأنه يخاف عليها من اللصوص لذا هم أصدقاء, فقلت اذاً انا أريد سائق الى المدرسة ليحميني من اللصوص, جلس أنطوان على قدميه و نظر في عينيّ و بحنيته إبتسم وقال:" أتقبلينى أن أكون سائقكِ الخاص الى المدرسة", ومن ذالك اليوم لا أذكر اني ذهبت الى المدرسة أو عدت منها دون أن يرافقني أنطوان.
مازلت أذكر ان بوابة مدرسة إركي, حيث كنت أتعلم في المرحلة المتوسطة, تكتظ بالفتايات و الصبيان لترى الفتيات ذالك الشاب الجامعي الوسيم, انطوان, وهو ينتظر خروجي بخجل بينما يحاول الصبيان ان يَلفتوا انتباه الفتيات اليهم. اعترف اني كنت أشعر بشيء لا أعلم تفسيرة في كل مرة يحتضنني فيها أنطوان أمام جموع التلاميذ, مازلت أذكر إرتباكه في كل مره يَغمرني فيها, يالجمال خجل انطوان..
أخبرت جدتي ذات مرة بأني أفخر كثيراً عندما يعانقني أنطوان أمام المدرسة فسألتني عن السبب فقلت لها لأني أشعر بالأمان, جدتي لم تكف عن الضحك يومها..
كنت أخبر أنطوان كل شيء, كنت أخبره عن جهاد الذي يُصر في كل مرة على ان يتسلف أحد كُتبي ليعيده لي بعد أن يكتب عليه شيئاً من أغاني سامي كلارك, كنت أخبره عن مايا, الأخت الكبرى لصديقتي فرح, و التي لا تكف عن سؤالي عنه, بل و أخبرته أن مايا تُصر في كل مرة على أن تقف معي عند بوابة البناية لكي تراه اذا ماأتي لكي يَصطحبَني الى البيت. أخبرته اني أحب بالفعل أستاد العربي و بأن هذا الأمر يستفز صديقي جهاد.
عندما بدأت الدراسة في الصف الأول الإبتدائي كان أنطوان يتلقى التبريكات لتخرجة من المرحلة الإبتدائية, كان القدر يقول لنا أن المراحل لن تجمعنا و انما نحن في حياتنا كأمواجٍ لا يتبدد أحدها إلا من اجل نهوض موجٍ أخر. بعد اسبوع من دخولي المرحلة الإبتدائية و دخول أنطوان المرحلة المتوسطة, دخلت بيروت أيضاً مرحلة جديدة. ففي ذالك العام, أي في العالم 1990, أُسدل الستار على الحرب الأهلية التي عصفت بالبنان لسنوات و سنوات.
أذكر أن جدّي في أول عيد فطر بعد الحرب من نفس العام قرر على أن نزور بيروت. كانت المرة الأولى التي أزور فيها بيروت..
عليَّ أن أقف عند هذا السطر, فجوليانا تَلوحُ لي من بعيد, يبدو أن الدكتور قد بدأ تفحص المرضى.. دعواتكم..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق