أحـــــلام لا تمــــــوت..
الأحلام ترسِمنا بصدق بقدر مانُخلص في رسمها. الحياة خارطة فيها من الممرات
و الأزقة مايتسع لخطاكَ و منها مايُضيق على انفاسك و أخرى يستهينُ بها
رساموا الخرائط فلا تجد لها تبياناً على خرائطهم، و لربما كانت تلك أهم
الأزقة.
في ممرات زقزوق حمص"، أحدى حارات صيدا القديمة، رسمتُ
أحلامي فتسعت أزقتها الضيقة لأمالي. مازلت حتى اليوم احرص على زيارة هذه
الحارة في كل مرة اعود فيها الى لبنان. الوضع اختلف هناك، لم يعد المسيحي
جار السني، في قلبه قبل حجره. أُرهبت الأوضاع هناك. قديماً كان السير بين
ازقة هذه الحارة متعة لا يُضاهيها متعة. كانت بيوت الحجر تكسو المارة
حناناً بقدر مظهرها القاسي. عملت هناك لخمس سنوات ممتالية لدى العم ابو
وسام، صاحب مكتبة لبيع الكتب و أمهات الكتب. كنت ابلغ من العمر خمسة عشر
عاماً، كان ذالك في العام ١٩٩٩.
لم يكن الإعتماد على الذات
وارداً في حساباتي في يومها و لم أكن في حاجة للعمل لتوفير مصروفي. جدّي
كان يوفر ليّ كل مااريده حتى دون ان اطلب. لكني قررت العمل و الإعتماد على
النفس او كما كنت اسميه الإكتفاء الذاتي تقليداً " لشلة الختيارية" كما
تُسمينا جدتي.
ذات مساء, كنت انا، انطوان، سام و جاد نجلس تحت شجرة الليمون
المقابلة لبنايتنا. كنت انا في الخامسة عشر من العمر بينما انطوان و رفاقه
كانو في الثانية و العشرون من العمر تقريباً. كنا نتحدث عن الحركة النشطة في صيدا
و عن ازدحام" الإستراحات البحرية" و المناطق التراثية بالزوار هذا عدا عن
" العجقة" في بيروت بسبب الصيف. كان جاد يتمنى لو اننا نمتلك مالاً زائداً
فننزل لقضاء يومين " رواق" في بيروت بين المطاعم و الملاهي الليلية بينما
سام و انطوان حَلِموا برحلة بحرية ليوم كامل. كان العائق هو عدم توفر مال
اضافي لدى الجميع، فما يتوفر بين ايديهم هو فقط مايكفي لمصروفنا اليوم.
وبينما
هم بين الحلم و الواقع، اقترب "اسعد"، طفلٌ في الثانية عشر من العمر يبيع
سجائر و علكة. فقال له انطوان:" مابنشرب دخان". فرد اسعد:" لكان علكة؟".
فرد انطوان:" مابدنا". فأخذ اسعد مكانه على الطرف المقابل لطريق و بدأ
بجرد ارباحه و خسارته، فقد بدأت شمس ذالك اليوم بالمغيب. بدأ جاد بمناكفت
اسعد فتسع الحوار و ارتاحت الأرواح. قبل ان يتحدث الينا اسعد ظننا جميعاً
ان الحاجة هي مااتلفت قدمى اسعد من الدوران ببضاعته في شوارع صيدا، لكننا
اكتشفنا النقيض. اخذ اسعد يتحدث عن عمله, فهو يعمل ليجمع مالاً يسمح له بشراء طائرات ورقية من باعتها قبالة البحر ليعاود بيعها على
الأطفال بسعرٍ جيد ثم يجمع المال ليغادر به بعد ايام الى بيروت حيث ابناء
خاله و يتلذذ هناك بشراء كل مايتمناه من محلات الألعاب الإلكترونية. بدا
اسعد و هو يتحدث عن رأس المال و الربح و الخسارة و كأنه يُدير شركة تبغٍ
عريقة!
بعد هذه الحادثة بيومين كنا نجلس عند القلعة البحرية
امام البحر، كان انطوان شارد الذهن متبحر التفكير. كان جاد يغني اغنيته
التي يعشقها:" شو فيه خلف البحر" لراحلة سلوى القطريب. بدأنا نتحدث عن
ماذا لو هاجرنا للعمل و مع الأحاديث قال انطوان:" ليش مابنسافر هلا؟".
نظرنا الى بعضنا قليلاً فأسرع انطوان و اردف:" نحنى بالجامعة و مصاريفنا
بتزيد، خلونا نسافر ع بيروت و نبش ع شغل". اخذ الحديث طابع جدي و بدأ حلم
الشباب في فرصة العمل و الاستقلال المادي يتبلور. فقرروا ان ينزلوا في
الغد الى بيروت للبحث عن عمل. فقلت لهم اني اريد العمل مثلهم.
فأخذ انطوان يحاول اقناعي بالعدول عن الأمر نظراً لعدم موافقة جدّاي بذالك
و لصغر سني و لعدم تخرجي بعد حتى من المرحلة الثانوية. زاد غضبي و اصراري
فكان سام يردد:" نحنى بالجامعة و ياريت بنلاقي حدا يشغلنا فكيف انتي؟!".
توسلت
يومها لأنطوان فرفض فزدت توسلاً فتحمس سام معي و قال لي:" خلينا نمشي
بالقصة نتفه نتفه، بنحكي ستك و جدك و بس بيوافقوا بدوري شغل و بس بتلاقي
بنقنعلك انطوان". و فعلاً، توجهت الى مكتبة جدّي مسرعة و ازقة صيدا تتسع
امامي اكثر فأكثر. وماأن وصلت كان يَهِمُ بإغلاق مكتبته. وقفت امامه
فقلت:" جدو بدي اشتغل و مابدك تعترض، بدك تساعد حبيبتك الي بتحبك قد الدنى
ماهيك؟". كان العم جورج, الدكنجي, يضع كرسيّه في خارج محله فبتسم و قال
لجدّي:" خلص حالك اذا بتخلص".
في الطريق لم اتوقف عن اقناع
جدّي بضرورة العمل و الإستقلال، الطموح و الأحلام. كان جدّي يكتفي فقط
بالإبتسامة. كانت ابتسامته ابتسامة الشمس ليّ. عند مدخل البناية التقينا
بأنطوان و سام فقال لهم جدّي:" شو ياشباب بتحرضوا الصبايا ع العمل؟".
ابتسم انطوان فقال:" انا ماخصي".
كان جدّي احياناً يدعي انه ينزعج اذا ابديت تأيدي او حبي او انصافي لأنطوان و كان يقول:" مش انا بيّه؟ مابيحقلي غار ع بنتي؟".
استغليت
انا هذا الجمال في روح جدّي، فقلت لأنطوان:" اكيد انتَ ماخصك، ماحدا خصو
غير جدّي" و همست اليه:" حتى ستي ماخصه". كنت احاول ان اغويه بطفولةٍ.
ملامح جدّي الحنونة و تلك التجاعيد في جبينه مازالت هي حدود اجمل وطنٍ عشت
فيه.
صعدنا الى البيت و دون مقدمات قال جدّي لجدتي بعد ان
سألتني:" غريبه راجعه مع جدك، شو مين زاعجك منون؟"، كانت تقصد انطوان و
رفاقه. فرد جدّي بحكمته اللماحة:" مابتعرفي؟". فقالت جدتي:" شو؟". فقال
جدّي:" الشباب قرروا يشتغلوا و اتمسخروا ع بنتنا انو شو، انو هي غنوجه و
مش قد الشغل، بس فشروا بنتي قد حاله و راح تشتغل تتبرهن لون هالشي". فقالت
جدتي:" شو هالقصة؟ من وين طلعتي بهالقصة". فبدأت استعطاف جدتي و بأني نلت
الشتائم من انطوان و رفاقة فقد قالوا:" الكل بيعرف انو سِتك نزعتك بدلاله،
و ماحدا راح يقبل يشغلك عندو، انتي مش خرج شغل". أصابت أنطوان حالة من الذهول أمام قدرتي على التمثيل و استعطاف جدتي, بقيَّ لزمن يسترجع هذه الحادثة. جدتي ذات طبع حاد و شخصية
قوية، صلبة بقدر حنانها، عقدة جبينها تتبدد في لحظة ماان تلمح لمعة الدمع
في عينيَّ. اعترف اني لعبت كثيراً مع جدتي على هذا الوتر.
دون
تفكير قالت جدتي:" خلص بتشتغلي مع جدّك بالمكتبة". فقلت:" راح يقولوا هيدا
دليل ع انو ماحدا قِبل يشغلني فشغلني جدّي". لم اكن احب ان اعمل لدى جدّي
لأن مسألة الإستقلالية و اثبات الذات تُراود كل فتاة في عمري. قالت جدتي:"
لكان شو راح تشتغلي؟". فقلت:" راح انزل دور ". فرفضت جدتي و اشترطت ان
يرافقني جدّي او انطوان.
في صباح اليوم التالي نزلت مع جدي و في
طريقنا الى مكتبة جدّي وجدنا العم ابو وسام، صاحب مكتبة كتب في زقزوق حمص،
واقفاً في انتظار وصول جدّي. كان العم ابو وسام صديق مقرب لجدّي فكلاهما
احبوا لبنان و شاركوا في حروبها، جمعهم الحرف و الحرب. كان قادماً ليأخذ
من جدّي قائمة اسماء الكتب التي يُريدها جدي من بيروت. كان العم ابو
وسام ينزل مرة كل شهر الى بيروت ليجلب كتب الى مكتبته و اعتاد ان يسأل
رفاقه عن حاجاتهم من الكتب ليَجلبَها معه. و مع فنجان القهوة اخبر جدّي العم
وسام عن رغبتي في العمل. شجع العم وسام تفكير الصبية ذات الخامسة عشر من
العمر. عرض العم ابو وسام ان اعمل لديه في مكتبته. وافقت دون تفكير. في
نفس اليوم، سلمني العم ابو وسام مفتاح المكتبة و قال لي:" افتحي المكتبة و
كل كتاب بتبيعيه او حدا بيتسلفوا منك بدّونيه و بس بتصير الساعة وحده
بتقفلي، بترجعي تفتحي المساء و ع التمانية بتقفلي و عشيه ع التمانية الصبح
بتفتحي و بتلاقيني واقف عندك". شعرت و هو يتكلم بحماسة لا توصف و قبل ان
ينهي حديثه كنت قد قبلته هو وجدّي و غادرت المكان. اذكر اني فتحت بوابة
المكتبة الحديدية دون خوف من صوتها الصاخب مع ابواب المحال المجاورة. دخلت
المكتبة فشعرت بنفس شعوري و انا اسمع حديث الطفل اسعد في ذالك المساء.
مازلت اذكر رائحة الكتب و مازلت ممتنة للعم ابو وسام و لثقته و حبه ليّ.
القلوب الكبيرة تستفز احلاماً كثيرة. الأماكن العتيقة تحنُّ على الأحلام
كثيراً. في نفس ذالك اليوم زارني انطوان و رفاقه فلم يصدقوا و اذكر اني
وعدتهم بأن اول مبلغ احصل عليه سوف اشتري به تذاكر لي و لهم لحضور فيلم في
سينما الحمرا حيث كانت بالقرب من المكتبة. بعد اسبوعين دعوتهم على فنجان
قهوة في خان الإفرنج بجوارنا.
لم استطيع ان اهجرها حتى بعد التحاقي بالجامعة و ازدحام يومي. كانت من اهم طقوسي اليومية.
عملت
لخمس سنوات ممتالية. و بعد عام من التحاقي بالجامعة توفى العم ابو وسام
فقرر ابنائه بيع المكتبة. احياناً بيع مواطن الأحلام يخنقُ الأحلام لكن لا
يقتُلها. تلك الممرات الحجرية في زقزوق حمص مازالت تحمل احلامي، طموحاتي و
ذاكرتي. لا شيء يقتلع احلامك اذا حفرتها بين الحجارة!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق