بـــرائــــة الإعتــذارات..
اجمل الإعتذارات هي تلك التي يتفانى اصحابها في اغلاق الجراح تماماً بمقدار تفانيهم بأن تبقى ايام تلك الإعتذارات اجمل الأيام.
كانت مدرستي في صيدا من المدارس التي يشترك طلابها في العمل التطوعي و الكشفي خصوصاً في ايام الرفيق الشهيد رفيق الحريري.
في
اول شهر من انضمامي الى فريق الكشافة, حيث كنت في الثالثة عشر من العمر, أولت الكشافة اهتماماً بتنظيف شواطئ
صيدا. تطوعت مدارس كثيرة في بعض الأنشطة التي
نقوم بها, فتحالفت الكشافة من اكثر من مدرسة في احد الأيام من أجل القيام
بتنظيف شواطئ بيروت. في مثل هذه التجمعات يتم اختيار افراد معينه من
الكشافة نظراً لكثرة الفرق الكشفية المشاركة.
خرج السيد اكرم،
رئيس الكشافة في حينها، و بدأ بتعليق قائمة بأسماء الأشخاص الذين سيشاركون
في هذا الحدث ثم قال:" الي بيلاقي اسمو يجي لعندي تياخذ ورقة التكليف".
تسارع الأفراد الى لوح الإعلانات باحثاً كلاً عن اسمه. نادت فرح بصوتها
العالي فرحاً:" راح تطلعي مع الجروب".
مع اطلاق صافرة نهاية
الدوام خرجت مسرعة لأُخبر انطوان و رفاقه عن الخبر. عند خروجي وجدت انطوان،
سام و جاد يقفون امام سور المدرسة بطريقة غريبة، كانوا لا يتحدثون و
يسندون اجسادهم الى السور. صرخت بهم:" شو فيه!". فوقف جاد بيني و بين
انطوان و بدأ يتصرف كما يتصرف الحراس الشخصيون!. اخذ يردد:" الجقل بدو يفكر
اذا بيحكي معك اما لا"!. جن جنوني اكثر و اخذت طريقي الى البيت و انا
اردد:" تصطفلوا ماراح خبركون شو صار معي اليوم". تبعني انطوان و كان يحاول
ان يهدأ من غيضي بينما جاد و سام كانا يرددان:" لنشوف مين بدو يشوف حالو ع
التاني!". ادرت وجهي إليهم و بدأت بالهجوم و الدمع في عيني. لم يكن
يستثيرني شيئاً في الحياة تلك الأيام بقدر مايستثيرني اخفاء امر عني من
قِبل انطوان او رفاقه. رقّ قلب سام و انطوان عليّ بينما جاد استمر في
مناكفتي، فجاد و انا من ذات البرج. قال لي انطوان بأنهم مدعون مساء الغد
على سهرة في احد مطاعم بيروت الفاخرة و سيقضون اليوم بطوله هناك. كلوديا
ابنة خالة جاد و صديقتهم في الجامعة دَعتهم الى عيد ميلادها في بيروت. الجميع نال الموافقة من
ذويهم. اردف انطوان:" و الحلو انو نحنى التلاته عملنا المستحيل
لقنعنا ستك انو تروح معنا و وافقت". فقلت:" بس انا مابدي روح معكون ع
بيروت". " ماتتساقلي" كان جواب سام بينما جاد اخذ يردد:" مش بأيدك".
بدأت
اخبرهم عن امر الكشافة فأخذ سام و جاد يحاولان اقناعي بمرافقتهم. سألني
انطوان ان كنت ارغب بالكشافة اكثر من مرافقته الى السهرة فجاوبته بدون
تردد:" اكيد بدي الكشافة". كنت لا استطيع ان ارفض خصوصاً و انه من المحتمل
كما اخبرنا السيد اكرم ان الرئيس رفيق ربما يُشاركنا في الفعالية. كانت
رؤية رفيق الحريري في يومها حلم بالنسبة ليّ و لأي شخص. هذا عدا عن اننا
كنا على اعقاب الصيف و انا منتسبة جديدة للكشافة فإذا لم اُبدي حماسي منذ
البداية فسيتم استبعادي عن الكشافة خلال رحلات الصيف. كنت مولعة بالعمل
الكشفي التطوعي.
وصلنا الى البيت بعد ان قطعنا الطريق دون اية
حديث يجمعني بأنطوان. دخل أنطوان الى غرفته و لم يخرج للغداء معنا. شعرت جدتي ان
ثمة اشكال وقع بيننا. كنت اخبر الجميع عن الرحلة و ماذا افعل و ماذا اقول.
توجهت الى سارا لتساعدني في كتابة الكلمة فعتذرت لإنشغالها بمشروعها
البحثي. بمجرد خروجي من الغرفة وجدت انطوان يجلس على مائدة الطعام و يداه
على المائدة بينما عيناه يتابعان حركة اصابع يداه. قال لي:" هاتي ورقة
تساعدك بالكلمة". اسرعت اليه و بدأنا في الكتابة. كتبها بخط يده ثم عاد
الى غرفته و لم يتحدث اليّ قط.
في المساء كان الجميع حول
التلفاز، حتى انطوان. اذكر جيداً البرنامج الذي كانت عائلتي تحضرة. كان
البرنامج على المحطة اللبنانية. كان اعادة لبرنامج قديم لنجيب حنكش. كان يستضيف في تلك الحلقة السيدة ماجدة الرومي و والدها حليم. كانت السيدة ماجدة في
أول مشوارها الفني، لم تتجاوز في حينها الخامسة او السادسة عشر من العمر.
كنت اجلس على الأرض و اضع ورقة الكلمة التي كتبها ليّ انطوان على المائدة
و اعيد كتابتها بخيط يدي. كنت اتحرك كثيراً و اسأل انطوان بين لحظة و اخرى
ان يقرأ لي ماخطه على عجل, فأحجب التلفاز عنه مره و يبدو جلياً له مرة أخرى. اذكر جيداً عندما بدأت السيدة ماجدة تغني اغنية لفيروز"
شايف البحر" اقتربت الى انطوان ليقرأ ليّ احدى الكلمات فثار في وجهي. تدخلت جدتي لتهدئة الوضع و كانت تردد:" شو صاو ". انطوان
غضب اكثر لأن جدتي وبّخته لأنه صبَّ جام غضبه عليَّ. كان يقول:" صرعتينا
بالكشافة و بالكلمة، الحق مش عليكِ الحق على الي بيفكر فيك و جاي ركض
لعندك لتروحي معو و تتسهري و تتسلي". كنت واقفه دون حراك. كانت المرة الأولى
التي يتحدث فيها انطوان اليّ بهذه الطريقة. و اذا به يغضب اكثر فشد الورقة
من يديَّ و مزقها. عندها فقدت تماسُكي و انهرت بالبكاء و توجهت الى الغرفة و
رفضت الحديث لأحدهم. لفت نظري جدتي وهي تنظر الى خالتي جيزيل و تبتسم
فظننت انها تبتسم من ردة فعلي الطفولية. توسلت جدتي، سارا و خالتي لأفتح
الباب لكني لم استجيب و استسلمت للبكاء. لكن في نهاية المطاف اذعنت لتوسلات جدَّي ففتح له الباب بشرط ان لا يدخل احداً سواه.
دخل جدي اليّ و اخذني الى حضنه و بدأنا نتحدث فيما ماحصل. غفوة دون ان اشعر و كل الحزن يسكنني.
فجأة
استيقظت جدتي بصوتها العالي و هي تنادي:" حدا يفيق شوق بيكون الأوتوكار
فل". استيقظت فزعاً و الذي زاد من غضبي هو اني افقت و انطوان يغفو على
الأريكة المقابلة لي لأجد ان جدي قد نكث العهد الذي بيننا و سمح لأنطوان
بأن يدخل الغرفة بعد ان غفوة!
استنفرت كل العائلة علّي اكسب الوقت و الحق بموعدي.
كان
المتفق ان يجتمع الطلاب قبالة احد المحال في شارع الأوقاف حيث تنقلنا
الباصات الى مدارس في بيروت حتى تنقل كل الأفراد الى الشاطئ، مقر النشاط.
نادى انطوان متوسلاً من سام بأن يسرع بتجاه الأوقاف علّه يستوقف الباص قليلاً، اظن ان كل صيدا يومها علمت بأمر الرحلة!
و في طريقنا الى وسط البلد حيث شارع الأوقاف إلتقينا بسام عائداً من هناك فأخبرنا ان الباص قد تحرك فعادت اليّ موجة البكاء من جديد. كنت
اعاتب انطوان لأنه هو من سبب لي هذا التأخير هذا عدا اني حتى اللحظة لا
املك كلمة النشاط التي سأُلقِيها و التي مزقها انطوان!
شعر انطوان
بالذنب لكن عزة نفس أنطوان دائماً تَزِيد من جمال اعتذاراته. شدّني من يدي و حمل
حقيبتي و توجهنا بسرعة الى المدرسة. هناك شرح انطوان و سام ماحصل معي للإدارة و
اخبرته الناظرة ان الباص سيقف بالقرب من حارة حريك حيث شارع زكور و شارع صيدا القديم ليُقِل
افراد كشافة من احد المدارس القريبة هناك. خرجنا بسرعة الى بيت جاد لأنه
يملك سيارة و توجهنا الى بيروت.
في الطريق لم اقبل ان اتحدث
بحرف لأنطوان بينما راح يتهرب عني بكتابة الكلمة من جديد بخطٍ واضح. وصلنا
فإذا بالباص يقف تماماً كما اخبرتنا الإدارة، نزلت بسرعة و انضميت الى الركب.
قرأت
الكلمة و تم تنظيف الشاطئ و مع مغيب الشمس و جدت انطوان، سام و جاد قد
قدموا بتجاه الشاطئ و هم يحملون ثلاجة تبريد. لقد احضروا " بارد" لتوزيعه
على كل المشاركين و كانت تحمل المبردات ورقة كتب عليها:" نظف الشاطئ كما
تنظف قلبك، الشاطئ وجه المدينة و القلب وجه الحب". بارك السيد أكرم هذا
العمل خصوصاً بعد ان اخبروا السيد أكرم ان هذه فكرة شوق. قرر السيد أكرم
ان ينضموا الينا ترحيباً بدعمهم لأفراد الكشافة خصوصاً و انهم طلاب
جامعيون. فقضى انطوان، سام و جاد بجواري ذالك اليوم. اقترب اليّ انطوان
وهمس اليّ:" بعتذر".
انتهى ذالك اليوم و عُدنا الى صيدا لكن ليس
كما اتينا. كنت اُقلد طريقة السيدة ماجدة وهي تغني شايف البحر كما غنتها مع
حنكش في السهرة، حيث كانت تنطق حرف الراء بطريقة رقيقة جداً. في تلك
الليلة استبدلنا عشاء سهرة عيد ميلاد كلوديا بصفيحة لحمة و ساندوش "شاروما"
و جاد يقول:" الله يسامحك ياصباح قنعتينا بغنية ع البساطه". انتهت تلك
الليلة و لم ينتهي اثنين، ابتسامات جدتي المبطنة و حنين ذاكرتي الصارخ.
سأعود اذ منحني القدر متسعاً من الوقت...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق