الثلاثاء، 17 أبريل 2012

المظاهرات من اجل لبنان..

                             المظاهرات من اجل لبنان..
 
أمور في الحياة تطرق الباب دون سابق انذار، الحب, الحرب و الموت على رأس تلك الأمور. قد تتعلق بشخص في لمحة و قد " تعلق" الحرب في لحظة فتموت اللحظة. كل الإحتمالات واردة.
الحب لا يُختصر في التعلق بالأشخاص. قد تعشق الأشياء، الأماكن و كذالك الأفكار. العشق يعني الأخلاص. 
لا أُنكر اني تعلقت بأنطوان منذ الطفولة. كان تعلقاً اخوياً فتحول مع الأيام الى صداقة ثم نضج اكثر فأصبح حباً عاطفي. ربما لم أنضج سوى في التاسعة عشر من العمر. لكن هناك في حياتي عشقٌ من نوع أخر. تربى هذا العشق على يدِ انطوان و رفاقه. انه عشق الأفكار و المبادئ، عشق الوطن لا السياسة. عندما سألت انطوان عن سبب  دراسته القانون الدولي بدلاً عن السياسات الدولية او الإعلام تلمذني على ان السياسة لعبة يَخشى من الإنخداع بأولئك الذين يشتروا الربح مقابل اي شيئ حتى لو كانت السلعة هي  الوطن. 
كان انطوان و رفاقة احد اولئك الشباب الذي راح ينقش وطنه على الشوارع، يرسم احلامه الكبيرة بالحرية و الإستقلال في ازقة وطنه الصغير. كثيراً ماكان يعود الى البيت و اثار الضرب على جسده باقية. كانت المخابرات السورية في ذالك الوقت، زمن الوصاية السورية، تُضيّق الخناق على المتظاهرين. كنت ارى في انطوان و رفاقه لبنان الذي احب. كنت اسمع في همساتهم ليلاً صوت لبنان الحق. كثيراً ماكان يُخبرني عن مايحصل من مظاهرات في الشوارع ضد الإحتلال السوري. في احد الأيام عاد من الجامعة وهو في قمة النشوة لأن سامي الجميل قام بإحراق العلم السوري في مظاهرةٍ معهم ضد الوجود السوري. كان انطوان احد طلاب الجامعة الياسوعية. كان في معقل التظاهرات و المواجهة، في شارع هوفلين في بيروت.
حدثني كثيراً انطوان عن ذالك الشارع و عن اجواء الشباب و روح الوطن العالية هناك. حدثني عن التنكيل و القمع و عن تلك الأماكن البعيدة المجهولة التي يُقتاد اليها الطلاب ليُحقق معهم في سر حبهم لوطنهم! 
في كل يوم كان هذياني بذالك الشارع و بتلك الأجواء ينمو بداخلي، يوماً بعد يوم كنت ازداد فخراً بأنطوان و رفاقة. كان يُخبرني عن روح المغامرة التي كانت تحميه عندما كانوا يقومون بتوزيع المنشورات. اخبرني عن رموز الإستقلال الحقيقيين. كان يُردد اسماء اشخاص ليسوا نواباً و لا وزرآء، لا مرشحون و لا متقاسمون. كان يُردد اسم سمير قصير الذي كان أستاذاً في جامعته حتى كدت أجن اذا مالم يتسنى لي قراءة مقالاً له ذات يوم. كان انطوان يضع النزول الى شارع هوفلين بمثابة المكافئة التي سيُهديني اياها اذا ما نجحت، اطعت، التزمت و " ماتنقوزت". حلمت لأيام و أيام بذالك الشارع. كان انطوان يرفض نزولي الى هناك بسبب سوء الأوضاع في تلك الفترة و زيادة الضغط على الطلاب من قبل المخابرات السورية. اذا أراد مناكفتي يوماً كان يقول: " بس تكبري كمان شوي راح اسمح لك تنزلي معنا في مظاهرة بالشارع". لم أكن أغضب إلا لأني كنت أعلم أن أنطوان لا ينظر اليَّ على أني صغيرة العمر فهو من كان يردد:" انتي ليش سابقه عمرك, روقي ع الدني بعد بكير". أذا غضبت خالتي جيزيل, والدته, من تعلقه المفرط بالعمل الطلابي كان يشعر بالحرج مقابل والدته فيتوارى مُغمِضاً عينيه واضعاً رأسه على قدماي و ممسكاً بيدي صامتاً دون حراك لساعات. كانت خالتي تخاف على انطوان من سطوة السوري و من المخابرات السورية التي وصل بها الأمر في أحد الأيام التي تلت مشاركته مع سامي الجميل في مظاهرت احراق العلم السوري الى أن تلحق به من الجامعة حتى مدخل صيدا ثم تلقي عليه القبض و تقتاته الى مكان بعيد لتحقيق. عاد بعد يومين فأخبرني عن مجريات التحقيق و كان يؤكد لي مراراً ان المحقق كان سوري اللكنة و أن التحقيق دام طيلة اليومين و كان معصوب العينين!
كانت جدتي و جدّي يلتفون حول انطوان اذا ماعاد من مظاهرة أو من تحقيق و كأنه عائداً من فلسطين مهللين و مكبرين فإفتخار. كان الحديث عن العمل الطلابي يُوقظ الحنين و العزة في روح  جدّي و جدتي.
كبُرت, كبُرت الأحلام و كبُر العمل الطلابي في لبنان بقدر كِبر مشاكل هذا الوطن الصغير. و في العام 2002 التحقت في الجامعة. كانت جدتي تقول:" انطوان باليسوعية مطرح ماانحرق العلم السوري و انتي راح تكوني بالجامعة الأمريكية مطرح ماابوفاعور حرق العلم الأمريكي". 
اذكر تماماً ذالك اليوم الذي زرت فيه الجامعة مع انطوان و رفاقه لتقديم أوراقي. كانت تماماً كما توقعت. كان سام يردد مازحاً:" ماتمشي مع العالم الفلتانه لانو العميد رفيقي لزم راح يخبرني دغري" فتخيلت أن العميد بالفعل يقوم بالتجول كل يوم في ساحات الجامعة و ممراتها! رافقني في ذالك اليوم انطوان, سام و مار. لم تكن علاقتي بمار تجاوزت الخمس سنوات بعد. فقد تعرفت على مار عن طريق انطوان. و سأبوح لاحقاً بالكثير عن مار. عندما خرجنا من الجامعة في ذالك اليوم و بينما نحن على بوابة الجامعة نظر اليَّ انطوان و اخذ يردد:" و الله كبرت الصبية و صارت بالجامعة" فرد سام:" يالله بدنا نجوزه و نخلص من همه". فغضب انطوان فقال لي بكل جدية:" بس تخلصي محاضرات بلاقيكي واقفة حد هالشجرة مابتتحركي!" فرد سام :" ناقص تخبره عن المصروف, الصبية كبرت و بعدك بتعامله متل الولاد الصغار, منّه بالمدرسة تتوقف حد السور تنطر انو تجي تتاخده". فرد مار:" معو حق, ليكي بس تخلصي فيك تطلع ع البيت او فيكي تنزلي ع مكتب انطوان و فيكي تروحي لسام و فيكي تجي لعندي اذا كنت هون او ع المكتب". عندها أمسكت بيد أنطوان وقلت له:" ماراح اتحرك من هون و ماراح يتغير شي أو بسحب أوراقي هلا من الجامعة و بلاها". كان انطوان يعمل في مكتب للمحاماة بالقرب من الحمرا.
كانت الحياة الجامعية حياة لا تتكرر. كنت أعشق كل تفاصيلها, ممراتها, قاعاتها, ساحاتها, مسرحها و أصوات أشجارها. كنا نتجمع في زوايا الجامعة و نُشبِعها بالحديث عن السياسة و "أحوال البلد". كانت لحظات الإنتخابات الطلابية أهم أحداث الجامعة حتى أهم من حدث التخرج نفسه. كنت أخبر أنطوان عن كل شيء. عن تحركاتنا, اللوائح الإنتخابية و التحالفات السياسية. عن الشعارات و الهتافات. لم نكن ننتمى لزعامة معينة بقدر ماكنا ننتمي للبنان الحر السيد المستقل. كنا مولعين بخطابات جبران تويني و سمير قصير أكثر من خطابات السيد حسن التحريضية في تلك الفترة. كنات نفكر بطريقة جبران و سمير لا بطريقة أميل و لا نصر الله!
كان أنطوان يُنصت لي جيداً عندما أخبره عن العمل الطلابي الذي بدأت أندمج به.  كان انطوان يتابع عمله السياسي من خلال مشاركته في الأنشطة الحزبية و الطلابية حيث لم تنقطع علاقته مع طلاب جامعته و لم يتجرد من روح الشارع. كانت علاقته باستاذه سمير قصير متواصلة فكان يحضر كل ندوة او محاضرة يُلقيها سمير في الجامعة اليوسوعية في تلك الأيام. أصبح الحديث عن السياسة و الهم اللبناني حديث مشترك بيننا. كان يتفانى في القضايا التي تلامس خيوطها قضاياً اجتماعية او وطنية. أصطحبني معه ذات مره الى قاعة المحكمة حينما كان يترافع عن أم حسان أحد الاتي كانت تبحث عن مصير إبنها في السجون السورية و التي تعرفنا عليها أثنا الأعتصام الذي أقامه أهالي المفقودين في حديقة سمير قصير.
بدأت الإنخراط في التجمعات الطلابية و بدأنا نكرس الحديث عن كيفية التعبير السلمي عن رفض الوصاية السورية. بدأت أفهم لماذا نحرص على وجود "علب المناديل" على طاولات المطاعم التي كنا نجتمع فيها سراً مع باقي طلاب الجامعات الأخرى قبل المظاهرات بأيام. كانت هذه المناديل هي الوسيلة التي نكتب عليها تحركاتنا السرية ثم نقوم بتوزيعها فيما بيننا. كان أحد الطلاب يكتب مفاتيح التحرك ثم يتركها على الطاولة فيقوم النادل و الذي يكون مؤيد لنا بتنظيف الطاولة. يأخذ المنديل ثم يأتي الى الطاولة الأخرى فيضع علبة الماء و معها مجموعة من المناديل للخدمة فيكون من بين تلك المناديل ذالك المنديل الذي كُتب عليه مفاتيح التحرك. نقرأ التعليمات ثم نترك المنديل لينقله النادل عند مغادرتنا الطاولة الى المجموعة الأخرى و هكذا. كنت أتقن هذه اللعبة جيداً دون ان يبدو على ملامحي أية علامات إرتباك و الفضل يعود لأنطوان فقد أشبع هذه الطريقة وصفاً لي عندما كان في الجامعة. كان مايُميزُنا هو التواصل المترابط بين طلاب جامعتي , الجامعة الأمريكية,  بطلاب الجامعات الاخرى, كالجامعة اليوسوعية و جامعة بيروت و غيرها من الجامعات. كنا نعتنق فكرة لا رمز حزبي رغم انتمائتنا المختلفة لأحزاب متعددة. كان حزب الكتائب هو الأنشط في وقتها. كنت معجبة جداً بهذا الحزب. الا ان كل الطلاب كانوا يتحدون رغم اختلاف انتمائتهم فقط من أجل هدف واحد و هو طرد السوري.
و في نفس العام اي في 2002, كانت المظاهرات شبه يومية خصوصاً في شارع هوفلين حيث تتمركز الجامعة اليسوعية. أخبرت انطوان عن مشاركتي في تلك المظاهرات فكان يبارك لي الأمر. كان يشارك معنا في معظم تلك المظاهرات. 
في أحد المظاهرات  في شارع هوفلين. كنا نخرج من الجامعة الامريكية و نبدأ بالتجمع حول الجامعة اليسوعية فينضم طلاب اليسوعية الينا كالمعتاد ثم بدأت الهتافات ضد السوري. كنا نردد" حرية, سيادة, استقلال", " هيه يالله سوريا اطلعي برا" و غيرها. الا ان الحماسة زادت لدى أحد المتظاهرين و كان من الجامعة اليسوعية فقام بإحراق العلم السوري. فجأة ثار الأمن الذي كان يجتمع في كل مره خارج اسوار الجامعة بأعداد مهيبة تزيد من شعورنا بأهميتنا و قدرتنا على التغيير. بدأ رجال الأمن و الجيش بالأنقضاض على الطلاب ضرباً و ركلاً محاولين تفريقنا بالقوة. و بدون اية خلفيات تم أخذ أعداد منّا الى سيارات خاصة. لم نتوقف عن الهتافات حتى داخل تلك السيارات التي أقلتنا الى مركز المخابرات. تم التحقيق معنا بعد أن قاموا بضرب الشبان منَا ثم ألزمونا بالتوقيع على تعهد خطي بعدم التظاهر مرة أخرى!. 
كنا قرابة الثمانية و العشرون شخص. سبعة من الطلاب كانوا فتيات. حينما جاء دوري في التحقيق لم أكن أشعر بأية مشاعر. كانت اللكنة السورية الغالبة تشعرني بالإشمئزاز. سألوني عن إنتمائي السياسي و كان يُلح المحقق عليَّ بأن أقول اني أنتمي الى حزب القوات فلم أرد عليه و اكتفيت فقط بالنظر اليه و تأمل تصرفاته. زاد برودي من غضبه فشدني من شعري و قرب رأسي الى مكتبه ليلزمني بالتوقيع على التعهد. فتأملت الورقة كي أقرأ ماهو مكتوب. فقد أخبرني انطوان من قبل أنهم قد يجعلوني أوقع على أوراق قد تُدينني أو قد أوقع على محضر أعترافات لم أدلي بها كي تستخدم ضدي فيما بعد! فسألني بصوت جهوري:" شو عم تتأملي أو خوفك نساكي كيف بدك تمضي؟!" فلم أرد عليه و واصلت قراءة التهعد. كان فيه " اتعهد بعد المشاركة في أي تظاهرة تمس أمن البلد!!". للأمانة كنت أشعر برجفة و خوف خصوصاً و ان ثورات غضب ذالك المحقق بدأت تعلو. وقعت و كنت أحاول أن أهدأ من خوفي و غضبي بترديد": هيدا حبر ع ورق" تماماً كما كان يردد انطوان في كل مرة يزور فيها المخابرات. و بعد ست ساعات من التحقيق أخذونا من جديد بسيارات و اعادونا الى أماكن متفرقة. كل ذالك تم و نحنوا معصوبي الأعين. اذكر اني أنا و أربعة من أصدقائي وجدنا أنفسنا مرميين على بداية طريق نهر الكلب!!
أخذنا سيارى أجرة و توجهنا الى الجامعة فهاتفت انطوان من هاتف أحد الأصدقاء, فهاتفي تحفظت المخابرات عليه.كان انطوان و سام يبحثان عني في الجامعة الأمريكية بعد أن غادروا اليسوعية. فأخبرته أني عدت و أنا بخير فقال:" ناطرك بالقهوة ماتتاخري". توجهت الى الجميزة حيث قهوة القزاز. دخلت الى القهوة فحتضنني أنطوان حتى كدت أشعر أني لأول مرة أحضى بغمرة أنطوان. تطمن عليَّ سام و مار. لم أكن استوعب مايقوله لي مار و سام و السبب هو وجود بيار الجميَل على الطاولة يجلس مع انطوان و سام و مار. عرفني انطوان لشيخ بيار فكانت لهفته للإطمئنان عليَّ و على باقي الرفاق تُضاهي كل أبوة عفوية. كان يقول:" هيئتك خوته طالعه لأنطوان" و ظل يردد هذه الجملة في كل مرة كنت ألتقي فيه. أخذت أخبر الشيخ بيار عن ماحصل. لم يكن هاتفه يهدأ فقد كان يجري اتصالات تبريكات بإطلاق سراحنا. أخبرني أنطوان فيما بعد ان الشيخ بيار كان يتفانى في الدفاع عن الطلاب و تحركاتهم و انه في ذالك اليوم بذل جهوداً جبارة لإطلاق سراحنا. كان الشيخ بيار يردد دائماً:" الشارع هو لبنان, و لبنان لأهل الشارع". 
حتى اليوم لا زلت أسمع هتافاتنا و شعاراتنا. وحدتنا و إلتفافنا. حتى اليوم أغضب اذا ماسمعتهم يرددون بأن ثورة لبنان هي ثورة الأرز و حسب. فماثورة الأرز إلا نتاج عمل سنوات سبقتها. قلت ذالك ذات مرة لجبران تويني فبتسم و قال:" ياريت الكل بالبنان بيغار على لبنان متل ماأنتوا الشباب بتغاروا على لبنان". قال لي مرة:" ماتتنازلوا عن الشارع لانوا لبنان لألكون". 
ستبقى تلك الأيام مصدر فخرٍ و ان ظن البعض انه ضرب جنون..
 
للحديث بقية إذا كان لي من القدر فسحة.. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق